الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
77
معجم المحاسن والمساوئ
الّذي ليس أن نتجاوز حدودها ، ولو جاز ذلك لاستغنينا عن إرسال الرسل إلينا بالأمر والنهي منه تعالى ، ولما كانت الأصول لا تجب على ما هي عليه من بيان فرضها إلّا بالسّمع والنطق فكذلك الفروع ، والحوادث الّتي تنوب وتطرق منه تعالى لم يوجب الحكم فيها بالقياس دون النصّ بالسّمع والنطق . وأمّا احتجاجهم واعتلالهم بأنّ القياس هو التشبيه والتمثيل فإنّ الحكم جائز به ورد الحوادث أيضا إليه ، فذلك محال بيّن ومقال شنيع ، لأنا نجد أشياء قد وفق اللّه بين أحكامها وإن كانت متفرّقة ، ونجد أشياء قد فرّق اللّه بين أحكامها وإن كانت مجتمعة ، فدلّنا ذلك من فعل اللّه تعالى على أنّ اشتباه الشيئين غير موجب لاشتباه الحكمين كما ادّعاه منتحلو القياس والرأي ، وذلك أنّهم لما عجزوا عن إقامة الأحكام على ما انزل في كتاب اللّه تعالى وعدلوا عن أخذها ممّن فرض اللّه سبحانه طاعتهم على عباده ممّن لا يزلّ ولا يخطأ ولا ينسى الّذين أنزل اللّه كتابه عليهم وأمر الامّة بردّ ما اشتبه عليهم من الأحكام إليهم ، وطلبوا الرياسة رغبة في حطام الدّنيا وركبوا طريق أسلافهم ممّن ادّعى منزلة أولياء اللّه ، لزمهم العجز فادّعوا أنّ الرأي والقياس واجب ، فبان لذوي العقول عجزهم وإلحادهم في دين اللّه ، وذلك أنّ العقل على مجرّده وانفراده لا يوجب ولا يفصل بين أخذ الشيء بغصب ونهب وبين أخذه بسرقة وإن كانا مشتبهين ، قالوا حد يوجب القطع ، والآخر لا يوجبه . ويدلّ أيضا على فساد ما احتجوا به من ردّ الشيء في الحكم إلى أشباهه ونطائره ، أنّا نجد الزّنا من المحصن والبكر سواء ، وأحدهما يوجب الرجم والآخر يوجب الجلد ، فعلمنا أنّ الأحكام مأخذها من السمع والنطق بالنصّ على حسب ما يرد به التوقيف دون اعتبار النظاير والأعيان ، وهذه دلالة واضحة على فساد قولهم ولو كان الحكم في الّدين بالقياس لكان باطن القدمين أولى بالمسح من ظاهرهما ، قال اللّه تعالى حكاية عن إبليس في قوله بالقياس : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ